فصل: قال الماوردي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ولما كان كل من إتيانه وكفرهم لم يستغرق زمان القبل، أثبت الجار فقال: {من قبل} أي من قبل مجيء الحق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إليهم.
ولما كان كأنه قيل: ما كان كفرهم به؟ قيل: {قالوا} أي فرعون وقومه ومن كفر من بني إسرائيل كقارون ومن تبعه.
ولما كان قد تقدم هنا قريبًا أن المظاهر له أخوه، فكان المراد واضحًا، أضمرهما فقال: {ساحران} أي هو وأخوه {تظاهرا} أي أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار سحرهما معجزًا فغلبا جميع السحرة، وتظاهر الساحرين من تظاهر السحرين- على قراءة الكوفيين، ويجوز- وهو أقرب أن يكون الضمير لمحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأنه روي أن قريشًا بعثت إلى يهود فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم، فقالوا هذه المقالة، فيكون الكلام استئنافًا لجواب من كأنه قال: ما كان كفرهم بهما؟ فقيل: قالوا- أي العرب: الرجلان ساحران، أو الكتابان سحران، ظاهر أحدهما الآخر مع علم كل ذي لب أن هذا القول زيف.
لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر، لكان سحر فرعون أعظم إعجازًا، لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا عن معارض ما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام من آية العصا، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد دعا أهل الأرض من الجن والإنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم أنهم عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا فعجزوا.
ولما تضمن قولهم ذلك الكفر، صرحوا به في قولهم: {وقالوا} أي كفار قريش أو المتقدمون من فرعون وأضرابه: {إنا بكل} من الساحرين أو السحرين اللذين تظاهرا بهما، وهما ما أتيا به من عند الله {كافرون} جرأة على الله وتكبرًا على الحق.
ولما قالوا ذلك، كان كأنه قيل: فماذا فعل؟ قال: {قل} إلزامًا لهم إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه الصلاة والسلام: {فأتوا بكتاب} وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى أنه يقنع منهم بكونه حكيمًا خارقًا للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في الغرابة بأن انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال: {من عند الله} أي الملك الأعلى، ينطق بأنه نم عنده أحواله وحكمته وجلاله {هو} أي الذي أتيتم به {أهدى منهما} أي مما أتيت به ومما أتى به موسى {أتبعه} أي واتركهما.
ولما أمرهم بأمره بالإتيان، ذكر شرطه من باب التنزل، لإظهار النصفة، وهو في الحقيقة تهكم بهم فقال: {إن كنتم} أيها الكفار! كونًا راسخًا {صادقين} أي في أنا ساحران، فائتوا ما ألزمتكم به.
ولما كان شرط صدقهم، بين كذبهم على تقدير عدم الجزاء فقال: {فإن لم يستجيبوا} أي الكفار الطالبون للأهدى في الإتيان به.
ولما كانت الاستجابة تتعدى بنفسها إلى الدعاء، وباللام إلى الداعي، وكان ذكر الداعي أدل على الاعتناء به والنظر إليه، قال مفردًا لضميره صلى الله عليه وسلم لأنه لا يفهم المقايسة في الأهدوية غيره: {لك} أي يطلبوا الإجابة ويوجدوها في الإيمان أوالإتيان بما ذكرته لهم ودعوتهم إليه مما هو أهدى، من القرآن والتوراة ليظهر صدقهم {فاعلم} أنت {أنما يتبعون} أي بغاية جهدهم فيما هم عليه من الكفروالتكذيب {أهواءهم} أي دائمًا، وأكثر الهوى مخالف للهدى فهم ظالمون غير مهتدين، بل هم أضل الناس، وذلك معنى قوله: {ومن أضل} أي منهم، ولكنه قال: {ممن اتبع} أي بغاية جهده {هواه} تعليقًا للحكم بالوصف؛ والتقييد وبقوله: {بغير هدى} أي بيان وإرشاد {من الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال دليل على أن الهوى قد يوافق الهدى، والتعبير بالافتعال دليل على أن التابع وإن كان ظالمًا قد لا يكون أظلم.
ولما كانت متابعة الهوى على هذا الصورة ظلمًا، وصل به قوله مظهرًا لئلا يدعى التخصيص بهم: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا راد لأمره {لا يهدي} وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال: {القوم الظالمين} أي وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهوائهم، فالآية من الاحتباك: أثبت أولًا اتباع الهوى دليلًا على حذفه ثانيًا، وثانيًا الظلم دليلًا على حذفه أولًا. اهـ.

.قال الفخر:

{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى}.
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك، بين أيضًا أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا {لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى} فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

أما قوله: {فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا} أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا {لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12] وما أشبه ذلك.
واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعًا كالتوراة ومفرقًا كالقرآن، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ} واختلفوا في أن الضمير في قوله: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ} إلى من يعود، وذكروا وجوهًا: أحدها: أن اليهود أمروا قريشًا أن يسألوا محمدًا أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى} يعني أو لم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة وثانيها: أن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد وثالثها: قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطًا إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحرًا كما أن محمدًا ساحر، فقال تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى} ورابعها: قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهرون ساحران وخامسها: قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران وسادسها: وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى مِن قَبْلُ} بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين: الأول: قولهم: {ساحران تَظَاهَرَا} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة {ساحران} بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوهًا: أحدها: المراد هرون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرىء {اظاهرا} على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله: {سِحْرَانِ} بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه: إنا بينا أن قوله: {سِحْرَانِ} يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله: {أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِىَ موسى} إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني: قولهم: {إِنَّا بِكُلّ كافرون} أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ} وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله، قال الزجاج {أتبعه} بالجزم على الشرط ومن قرأ: {أتبعه} بالرفع فالتقدير أنا أتبعه، ثم قال: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء ههنا؟ قلنا قوله: {فَأْتُواْ بكتاب} أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال: {فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله} وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لابد من الحجة والاستدلال {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} وهو عام يتناول الكافر لقوله: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
[لقمان: 13] واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين.
وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقًا ومنها ما لا يحسن إلا بعد الإيمان والدليل عليه قوله: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] فقوله: {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} محمول على القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول، لأنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم، فبأن يكون عدم الهداية عذرًا لهم أولى. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا}.
قرأ الكوفيون سحران، فمن قرأ ساحران ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: موسى ومحمد عليهما السلام، وهذا قول مشركي العرب، وبه قال ابن عباس والحسن.
الثاني: موسى وهارون عليهما السلام وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة، قاله ابن جبير ومجاهد وأبو زيد.
الثالث: عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول اليهود اليوم، وبه قال قتادة.
ومن قرأ سحران ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها التوارة والقرآن، قاله عاصم الجحدري والسدي.
الثاني: التوراة والإنجيل، قاله إسماعيل وأبو مجلز.
الثالث: الإنجيل والقرآن، قاله قتادة.
{قَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} يعني بما ذكره على اختلاف الأقاويل وفي قائل ذلك قولان:
إحداهما: اليهود.
الثاني: قريش. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {فلمَّا جاءهم} يعني أهل مكة {الحقُّ مِنْ عندنا} وهو محمد عليه السلام والقرآن {قالوا لولا} أي: هلاَّ {أُوتيَ} محمد من الآيات {مِثْلَ ما أُوتيَ موسى} كالعصا واليد.
قال المفسرون: أمرت اليهودُ قريشًا أن تسأل محمدًا مثل ما أُوتيَ موسى، فقال الله تعالى: {أو لم يَكْفُروا بما أُوتيَ موسى} أي: فقد كفروا بآيات موسى، و{قالوا} في المشار إِليهم قولان:
أحدهما: اليهود.
والثاني: قريش.
{سحران} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: {ساحران}.
{تََظَاهَرا} أي: تعاونا.
وروى العباس الانصاري عن أبي عمرو: {تَظَّاهَرا} بتشديد الظاء.
وفيمن عَنَواْ ثلاثة أقوال:
أحدها: موسى ومحمد، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير؛ فعلى هذا هو من قول مشركي العرب.
والثاني: موسى وهارون، قاله مجاهد؛ فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة.
والثالث: محمد وعيسى، قاله قتادة؛ فعلى هذا هو من قول اليهود الذين لم يؤمنوا بنبيِّنا.
وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: {سِحْران} وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: التوراة والفرقان، قاله ابن عباس، والسدي.
والثاني: الإِنجيل والقرآن، قاله قتادة.
والثالث: الثوراة والإِنجيل، قاله أبو مجلز، وإِسماعيل ابن أبي خالد.
ومعنى الكلام: كلُّ سِحْر منهما يقوِّي الآخر، فنُسب التظاهر إِلى السِحْرين توسُّعًا في الكلام، {وقالوا إِنَّا بكلٍّ كافرون} يعنون ما تقدَّم ذِكْره على اختلاف الأقوال، فقال الله لنبيِّه {قُلْ} لكفَّار مكة {فأْتُوا بكتابٍ مِنْ عِنْدِ الله هو أهدى منهما} أي: من التوراة والقرآن، {إِن كنتم صادِقين} أنَّهما ساحران.
{فإن لم يستجيبوا لك} أي: فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، {فاعلم أنَّما يَتَّبعون أهواءهم} أي: أنَّ ما ركبوه من الكفر لم يحملهم عليه حُجَّة، وإِنما آثروا فيه الهوى {ومَنْ أضَلُّ} أي: ولا أحد أضل، {مِمَّن اتَّبع هواه بغير هُدىً} أي: بغير رشاد ولا بيان جاء {من الله}. اهـ.